التخطي إلى المحتوى

شهدت محافظة السويداء السورية جنوبي البلاد، احتجاجات شعبية تخللها قطع للطرقات وترديد شعارات مناوئة للنظام السوري، أشعلها قراران حديثان لحكومة الأسد، حسبما قال صحفيون ومراقبون لموقع “الحرة”.

وصباح الخميس خرج متظاهرون في ساحة السير المركزية داخل السويداء ورددوا شعارات من بينها “سوريا لينا وما هي لبيت الأسد”، و”خسا من قال عيشتنا ذليلة”، وأطلقت هذه العبارات في بقية المناطق والقرى في الريفين الشرقي والغربي للمدينة، أبرزها بلدة القريا.

في غضون ذلك وثقت تسجيلات مصورة نشرتها صفحات إخبارية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إقدام متظاهرين على قطع طرق رئيسية بالإطارات المشتعلة، فيما اتجه تجار لإغلاق محالهم التجارية، وسط دعوات لـ”إضراب عام” في المحافظة.

ويوضح مدير شبكة “السويداء 24” الإخبارية المحلية، ريان معروف أن رقعة الاحتجاجات الحالية “واسعة” قياسا بسابقاتها خلال السنوات الماضية، ويقول إنها جاءت “ردا على القرارات الحكومية برفع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس على مختلف مناحي الحياة”.

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد قد أصدر، ليلة الأربعاء، مرسوما تشريعيا قضى بزيادة رواتب العاملين في مؤسسات الدولة بنسبة 100 بالمئة، لكن هذه الخطوة جاءت بعد قرار أصدرته “وزارة الداخلية وحماية المستهلك” في حكومته، وقضى برفع أسعار البنزين والمازوت في البلاد، إلى مستويات غير مسبوقة.

وبعد هذين القرارين تدهورت قيمة الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ كسرت حاجز الـ16 ألف مقابل الدولار الأميركي الواحد، بحسب سعر صرف السوق الموازي، بينما خيمت حالة “الشلل” الكامل على قطاع النقل، في دمشق وبقية المدن الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ويضيف الصحفي معروف لموقع “الحرة” أن “المجتمع الأهلي في السويداء يدعو لإضراب عام”، وأن “الناس خرجت في الاحتجاجات بشكل عفوي دون أن تنظمها أي جهة”.

وتحدث عن “شلل كامل في حالة السير داخل وفي محيط المحافظة”، وأن “هناك دعوات لمواصلة الاحتجاجات في الأيام المقبلة، مع التأكيد على البدء بحالة الإضراب العام”.

“مطالب باتجاهين”

وتحظى السويداء برمزية وموقع حساس في سوريا، وتقطنها غالبية درزية، واعتاد السكان فيها على مدى السنوات الماضية الخروج باحتجاجات شعبية، في حالة لطالما وصفت بـ”الاستثنائية”، ضمن المناطق الخاضعة لنفوذ النظام السوري.

واللافت في الاحتجاجات الحالية أن المتظاهرين رددوا إلى جانب مطالبهم المعيشية عبارات مناوئة للنظام السوري، داعين فيها إلى “إسقاط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد”، وهي شعارات كان قد أطلقها المتظاهرون في بداية الانتفاضة عام 2011.

وعلى مدى السنوات الماضية لم تتخذ حكومة النظام السوري أي إجراء في المحافظة، سواء فيما يخص الحالة المعيشية أو حالة الفلتان الأمني التي شهدتها مرارا.

وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المحافظات السورية، التي تعيش على وقع أزمة اقتصادية تصنف على أنها الأسوأ منذ عقود.

على العكس اتجهت حكومة النظام السوري مؤخرا إلى توصيف الكارثة المعيشية دون أن تقدم حلولا، سواء لوقف تدهور سعر صرف الليرة السورية، أو فرملة ارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع الأساسية.

وبموجب قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، يوم الأربعاء، تم توحيد سعر بنزين أوكتان 90 المدعوم والحر ليبلغ 8 آلاف ليرة لليتر الواحد، في حين تم رفع سعر البنزين أوكتان 95 من 10 آلاف ليرة إلى 13500 ليرة.

وشملت الزيادة رفع سعر المازوت المدعوم للمستهلك ليصبح 2000 ليرة للتر الواحد، وكذلك أصبح سعر مبيع مادة المازوت الصناعي المقدم لكل من “الزراعة خارج المخصصات المدعومة والصناعات الزراعية والمشافي الخاصة ومعامل الأدوية” 8000 ليرة سورية للتر الواحد.

ويوضح الصحفي معروف أن “العديد من المحلات التجارية في السويداء أغلقت أبوابها”، وأن “الحركة ما تزال ضعيفة للغاية”.

ويشير إلى “خلو كراج مدينة شهبا من السرافيس المخصصة لنقل الأهالي من المدينة إلى القرى المجاورة، بالإضافة حالة شلل لحركة المواصلات بين المدينة والقرى المجاورة لها”.

ولم تقتصر حالة الشلل في قطاع النقل بعد رفع أسعار المحروقات على المحافظة الجنوبية فحسب، بل انسحبت إلى العاصمة السورية دمشق ومدن حمص وطرطوس واللاذقية وحلب.

“لن تكون مفيدة”

وفي حين اعتبر وزير الاقتصاد السوري، محمد سامر الخليل، يوم الخميس، أن “القرارات الحديثة لن تؤدي إلى ارتفاع سعر الصرف ومعدلات التضخم”، كان لمحللين وباحثين اقتصاديين رأي مخالف لذلك.

إذ أوضحوا لموقع “الحرة” من بينهم الدكتور في الاقتصاد عبد المنعم الحلبي أن “القرارت لن تكون مفيدة ولا حتى على المدى القريب”، ومن المتوقع أن “يزداد سعر الدولار باستمرار بسبب عوامل متنوعة، أهمها خروجه من السوق”، و”قد يصل أو يتجاوز حاجز العشرين ألف في غضون بضعة أشهر”.

وقال الاقتصادي السوري: “بالتالي ستبقى معدلات التضخم ضمن حلقة مفرغة مزمنة”.

بدوره أضاف الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، مناف قومان أن “انعكاس قرار تقليص الدعم ومرسوم الأسد بزيادة الرواتب حلّ سريعا على مشهد البلاد”.

وقال: “الزيادة في الرواتب تآكلت أوتبخرت قبل أن تصل إلى يد الموظف والعامل”.

و”يدرك النظام أن أي زيادة بدون تغطية حقيقية من النقد الأجنبي والنمو في الإنتاج ستعبر عن زيادة وهمية في ظل غياب النقد والنمو، ولذلك لا يزيد الرواتب بوتيرة قريبة ولا كبيرة”.

ويشير قومان إلى “الزيادة السابقة كانت في عام 2021 وبنسبة 30 بالمئة”، وأن “مقاربة النظام تقوم على ترحيل الأزمة الاقتصادية حتى تتهيأ ظروف أفضل تمكنه من إصلاح الأوضاع أكثر مما هي عليه الآن”.

“ليست مجرد مطالب معيشية”

وتُحسب السويداء على مناطق سيطرة النظام السوري، وبذلك فإن ما تشهده من حراك شعبي الآن يعتبر “نقطة فارقة” قياسيا بباقي المحافظات، التي قلما تخرج بهكذا احتجاجات، بسبب القبضة الأمنية المفروضة هناك.

ومع ذلك كانت اشتداد الأزمة المعيشية قد ولّد دعوات لـ”المشاركة في عصيان مدني” في عموم المحافظات السورية، المحسوبة ضمن نطاق سيطرة النظام السوري.

وفي تسجيل مصور عبر حسابه الشخصي في “فيس بوك” حثّ الصحفي السوري، كنان وقاف جميع المواطنين السوريين إلى التوقف عن “الإلحاح والشكوى وعدم انتظار المعجزات”.

وبدلا من ذلك، دعا الموظفين إلى عدم الذهاب إلى وظائفهم، والعساكر إلى عدم الذهاب إلى قطعهم العسكرية، وإغلاق المحال، والتزام جميع السوريين منازلهم.

وذكر وقاف أن الإضراب سيجبر النظام السوري على “تغيير سياسة الإذلال التي يتبعها تجاه المواطنين”، وتوزيع المعونات عليهم بدلا من رميها، مشيرا إلى أن “سياسة التجويع هي سياسة ممنهجة”. 

ولا يعتقد وقاف بحسب ما يقول لموقع “الحرة” أن “التحركات التي ظهرت في مناطق سيطرة النظام هي مجرد مطالب معيشية أو من أجل لقمة العيش فقط”.

ويوضح حديثه: “صحيح أنها سبب مهم لكنها بالمطلق ليس السبب الرئيسي. الناس بدأت ترى تفشي الفساد ورعايته من رأس النظام وبطريقة فجّة للغاية”.

كما أن “الاستهتار العلني بتلبية أدنى المطالب الخدمية. ولهذا تشكل وعي شعبي ناقم على هذا التجاهل المستفز لهم”، وفق حديث الصحفي السوري، الذي اعتقلته الأجهزة الأمنية في سوريا لأكثر من مرة بسبب انتقاده للسلطة.

ويرى أن “التحرك في السويداء ورغم أنه خجول لكنه بدأ فعليا، ومن الطبيعي جدا أن يكون في مستويات ضعيفة نتيجة الخوف المزروع في نفوس الشعب، من أجهزة أمنية تسيطر على أنفاس الناس منذ خمسين عاما”.

وكانت الدعوة التي أطلقها وقاف “نتيجة لاتصالات كثيفة تلقاها من أحزاب وأشخاص فئات متعددة من المجتمع السوري، وخصوصا مناطق الساحل وباالتنسيق معهم”.

ويتابع أن “نسبة الالتزلم بالإضراب يوم الخميس كانت على الشكل الآتي: السويداء 95 بالمئة، اللاذقية 40 بالمئة، طرطوس 20 بالمئة، حمص 10 بالمئة”.

ويعتبر الكاتب والناشط السياسي المعارض، حافظ قرقوط أن “النظام على عداء دائم مع أي حركة مدنية”، وأنه “يهتز بأي حركة أو كلمة في صحيفة”. ولذلك “تسبب له الاحتجاجات أزمة، فيما تبعث برسالة للخارج بأنه عاجز عن تقديم أي حلول”.

ويقول قرقوط لموقع “الحرة”: “الاحتجاجات التي خرجت في السويداء تبعث برسالة أيضا بأن المجتمع السوري مازال حيا وما زال يطالب بحقوقه، وأن الرحلة مستمرة حتى الانتهاء من الكابوس الذي يحكم سوريا”.

“لا قدرة للنظام مالية أو إدارية لأن يستجيب لشيء. عناصره فاسدون ولا يتعاملون مع أي حالة إيجابية”.

ويضيف الكاتب: “الناس بدها أكل لأولادها ولكي تؤمن مستقبلهم. الشعب بات مهددا بأبسط مقومات حياته. كلنا ندرك أن الزيادة في الرواتب تأكل نفسها بنفسها ضمن البيئة الاقتصادية المعيشية في سوريا”.

وإلى جانب السويداء شهدت ساحة السيوف في مدينة جرمانا بريف دمشق، وقفة احتجاجية، تحت شعار “حقنا نعيش بكرامة”، رفضا للقرارات الأخيرة التي أصدرت من قبل رأس النظام السوري، وأعقبها انهيار الواقع المعيشي في البلاد، وفق ما ذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.

وأشار “المرصد” الحقوقي إلى عدة محافظات سورية ضمن مناطق سيطرة قوات النظام تشهد إضرابا عاما عن العمل من قبل أصحاب وسائل النقل، احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات بشكل جنوني ومفاجئ.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *